السيرة الذاتية
بحوث ومقالات
كتب وإصدارات
دروس ومحاضرات
في ظلال آية
منبر الجمعة
الصوتيات
الكلية
سجل الزوار
للاتصال بنا

 
 
 
 

- عدد القراءات: » 2210 - تاريخ النشر : » الخميس 20- 8- 1429 هـ
طباعة

محبطات الأعمال


(1/1423هـ)


 


الخطبة الأولى


أما بعد ،


فإن العاقل كما يسأل عن سبيل زيادة الخير، فهو يحرص على أسباب الحفاظ على مكتسباته، فكيف إذا كانت هذه المكتسبات هي غرسُ الآخرة وأسبابُ السعادة، كيف إذا كانت هذه المكتسبات هي الحسنات التي تنهال بها الدرجات العلى بعد فضل الله ورحمته، أيها الأخ المبارك، إنك في رمضان جمعت ألواناً من العبادة، فهناك الصيام والقيام، والصدقة والإحسان، هناك الجمع والجماعات، والهبات والأعطيات، هناك حسنُ السيرة، ونقاءُ السريرة، هناك قراءة القرآن وحفظُ اللسان، هناك صفاءُ الروح والتوبة النصوح، يالها من مكتسبات عظيمة تحتاج منك إلى وقفة، لتعرف من أين يأتيها الخطر حتى تَحْرُسَها وتعمل على زيادتها .


أيها الأخ الفاضل، إنك لابد أن تولي هذا الموضوع عنايتك، وتعطيه ما يستحق من اهتمامك ورعايتك .


 أيها الأخ المبارك، لقد امتن الله على عباده بأن جعل لهم أبواباً واسعة لتحصيل الحسنات، ورتب سبحانه بفضله ومنه على قليل العمل عظيم الثواب، ثم تفضل سبحانه على عباده بأن جعل لهم أبواباً أخرى لمحو ما عليهم من سيئات، بل ودلهم على ما يرفع درجاتهم ويعلي منازلهم، بل ربما اجتمع في العمل الواحد كل ذلك كالصلاة التي تتكرر كل يوم فهي ماحيةٌ للذنوب، رافعة للدرجات، جامعةٌ للحسنات .


   يا عبد الله، مع هذا الخير كله، احذر ماحِيَاتٍ أربعة لحسناتك، مهلكات لعملك .


أولها : العجب والغرور بالعمل .


أيها المبارك، إياك والعجب بكثرة الأعمال الصالحة، فإنه السبيل إلى ذهابها، لقد نهى الله نبيه عن ذلك بقوله : ﴿ولا تمنن تستكثر﴾ [المدثر: 6]، واعلم أن الشيطان سيعمل عمله هنا، فيستعرض أمامك سجلَّ حسناتك الضخم، حتى يوقعك في شِراك العُجْب والمنّ بها على ربك، ولقد حذَّر السلف رحمهم الله من هذه المهلكة فقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : ((النجاة في اثنتين، التقوى والنية، والهلاك في اثنتين، القنوط والإعجاب)) ويقول مطرف بن عبد الله رحمه الله : ((لأن أبيت نائماً –أي عن قيام الليل- وأصبح نادماً أحب إلى من أن أبيت قائماً وأصبح مُعْجَباً))، ويقول سفيان الثوري: ((التاجر الراجي لرحمة الله، أقرب إلى الله من العابد الذي يرى أنه لا ينال ما عند الله إلا بعمله)) .


أيها الأخ الكريم، إن بعض الناس لا يذكر إلا حسناته، فهي أمامه في كل حين، بينما هو غافل عن سيئاته، متناسٍ لها لا يخاف منها، ولا تقلقه كثرتها، ولا يزعجه تنوعها، وهنا مكمن الخطر، وهنا تكون أحبولة إبليس للإيقاع بالعبد، يقول سلمة بن دينار : ((إن العبد ليعمل الحسنة تسره حين يعملها، وما خلق الله من سيئة أضرَّ له منها، وإن العبد ليعمل الحسنة تسوؤه حين يعملها، وما خلق الله من حسنة أنفع له منها))، وذلك أن الحسنة تعجبه فيركن إليها ويمنّ بها على ربه، بينما السيئة مع حياة القلب تقلقه وتحدث له وجلاً في قلبه، يخضع معه لربه، ويستكين لخالقه، فهو دائم التوبة كثير الاستغفار.


أيها الأخ المبارك، إن سألت بعد هذا عن علاج هذا الداء الخطير (العجب) فإليك ذلك، اعلم أولاً: أن ما وفقت إليه من عمل صالح إنما هو بفضل الله وجوده فقد قال سبحانه وتعالى: ﴿وما بكم من نعمة فمن الله﴾[النحل: 53]، وأعلم أيضاً : أن هناك من عباد الله من هو أعظم منك ثواباً، وأكثر منك طاعة، فهناك المنفقون الباذلون، وهناك المصلون القائمون، وهناك الصابرون المحتسبون، وهناك الذاكرون الشاكرون، وهناك المخبتون الخائفون، فهوّن على نفسك ولا تغتر بكثرة عملك، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، ولكن احمد الله على فضله، واسأله المزيد، ثم اعلم أيضاً: أن عملك مهما عظم فلن يدخلك الجنة إذا لم تشملك رحمة ربك، قال رسول الهدى صلى الله عليه وسلم كما في صحيح البخاري : ((لن يُدخل أحداً منكم عملُه الجنة، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله منه بفضل ورحمة))، بل إن العبد ليحقر ما قدم يوم القيامة لهول ذلك الوقف، ولدقة الحساب، ولأنه يعلم حينئذ قدر عمله بجانب نعم الله عليه، ولأنه يدرك حينئذ أنه إن لم يرحمه ربه فليس بناج، يقول الصحابي الجليل ابن أبي عميرة رضي الله عنه : ((لو أن عبداً جُرَّ على وجهه من يوم ولد إلى يوم يموت هرماً في طاعة الله لحقره  في ذلك اليوم، ولودَّ أنه يرد إلى الدنيا كيما يزداد من الأجر والثواب)) قال المنذري رواه أحمد ورواته رواة الصحيح .


وجاء فيما رواه الإمام أحمد وصححه الألباني في السلسة الصحيحة [446] أن عتبة بن عبد الله قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((لو أن رجلاً يجر على وجهه من يوم يولد إلى يوم أن يموت هرماً في مرضاة الله لحقره يوم القيامة)) .


ويقول ابن القيم رحمه الله : ((ومن عرف الله وحقه وما ينبغي لعظمته من العبودية، تلاشت حسناته عنده، وصغرت جداً في عينه، وعلم أنها ليست مما ينجو بها من عذابه… وإذا كثرت في عينه دلّ على أنه محجوب عن الله، غير عارف به وبما ينبغي له)) أ.هـ .


واعلم أيضاً أيها المبارك حتى يزول ما في القلب من العجب أن أعمالك الصالحة التي قدمتها لا تدري ما الذي قبل منها من الذي رد عليك، قال ابن عون : (( لا تثق بكثرة العمل فإنك لا تدري أيقبل منك أم لا، ولا تأمن ذنوبك فإنك لا تدري أكُفِّرت عنك أم لا)) .


انظر رعاك الله، إلى قوله تعالى : ﴿ والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون﴾ [المؤمنون: 60] إنه وصف للمؤمنين، قالت عائشة رضي الله عنها : هم الذين يشربون الخمر ويسرقون يا رسول الله ؟ قال المصطفى صلى الله عليه وسلم: لا يا بنت الصديق، إنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون، ويخافون ألا يقبل منهم، أولئك الذين يسارعون في الخيرات)) رواه أحمد وصححه الألباني، عند الترمذي [4537]، وابن ماجة [3384] .


أيها الأخ الكريم، إنها آية مرعبة، أهمت الصحابة فسألت عائشةُ الرسولَ صلى الله عليه وسلم عنها، فيجب على المؤمن أن يكون على وجل وخوف من أن ترد عليه أعماله وأن يكون مشفقاً أن يقدم على ربه يوم القيامة صفراً رغم كثرة عمله في نظره .


فانتبه أيها السائر إلى ربه من هذه الهاوية، هاوية العجب أن تقع فيها، فهي من أخطر الأمراض والماحيات الماحقات، يقول عبد الله بن المبارك عندما سئل عن العجب : ((أن ترى أن عندك شيئاً ليس عند غيرك، لا أعلم في المصلين شيئاً شراً من العجب)) .


ثانيها : الاعتداء على حقوق الناس .


أيها الأخ الكريم، ماذا عساك تقول بعقلك النير، ونظرك الثاقب، في رجل جمع أموالاً طائلة، جمع جواهر ودرراً، أمضى فيها عمره وتعب فيها ونصب، حتى إذا جاءت ساعة الاستمتاع بها والإفادة منها، خرج من منزله وأخذ يبعثر هذه الأموال على كل من رأى سفهاً، ماذا يمكن أن تقول عنه، إن أقل وصف يمكن أن تصفه به هو السفه والجنون، فكيف إذا كانت المبعثرة هي الحسنات، والمفرقة هي الطاعات والموزعة هي القربات، ومتى يكون ذلك؟ يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، الكل في حاجة إلى الحسنة، وفي تلك اللحظات الحرجة يفلس بعض الناس، وإن كانت معهم حسنات من صلاة وصيام وزكاة، والله إنها الخسارة التي يسعى إليها بعض الناس بأعمالهم، قال نبي الهدى صلى الله عليه وسلم لأصحابه كما في صحيح مسلم ومسند الإمام أحمد : ((أتدرون من المفلس؟ قالوا : المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع، فقال : إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه، أُخذ من خطاياهم، فطرحت عليه، ثم طرح في النار)) .


معاشر الفضلاء، إنه حديث مخيف لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، ولمن تأمل حاله وعلم قدر تقصيره، وكثرة اعتدائه على الخلق، إما بلسانه فيغتاب ويسب، ويشتم ويعير، وإما بيده فيؤذي الخلق إما بسفك دمائهم أو ضربهم والاعتداء عليهم، من يسلم من هذا ؟. طوبى لمن حفظ لسانه وجوارحه ورحم الخلق وأعانهم ورأف بهم .


ثالثا : السيئات الجارية .


وهي تلك التي يبقى أثرها بعد موت الإنسان، عباد الله إن الإنسان يبحث عن العمل الذي ينور عليه قبره ويفسح له فيه، يبحث عن الأعمال الخيرة التي ترفع درجته بعد موته، مثل الصدقة الجارية ودعاء الولد الصالح والعلم النافع، لكن هناك أناساً يعملون جهدهم في أعمال سيئة، تهدم المجتمع، وتبيد القيم، ويكسبون من ورائها إثماً عظيماً أحياءً وأمواتاً، ومن ذلك محلات بيع أشرطة الغناء وما فيها من البلاء، وما يقوم به الممثلون من إصدار أفلام خالعة خانعة ثم يموتون ويتركونها وراءهم ويصلهم بلاؤها في قبورهم، إنها سيئات جارية، ومثل ذلك بيع الدخان والمجلات الخليعة وكل ما هو محرم، ويلحق بهذا من خلف في بيته ما يهدم الخلق ويبعد عن الالتزام بدين الله أو يشكك فيه، سواء أكان عبر أشرطة الفيديو أو القنوات الفضائية، إن أمثال هؤلاء من الباعة أو المغنين أو الممثلين سيحملون أوزارهم وأوزار الذين أفسدوا دينهم وأخلاقهم من ملايين البشر سنوات طويلة، قال عليه الصلاة السلام كما في صحيح مسلم : ((من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيئاً، ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها من غير أن ينقص من أوزارهم شيئاً))، اعلم أيها المبارك أن كل جريمة قتل تقع في الأرض يقع على ابن آدم الأول كفل منها، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ((لا تُقْتَل نفسٌ ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كفل منها، لأنه أول من سن القتل)) رواه البخاري .


فاحرص بارك الله فيـك، ألا تورث بعدك ذنباً أو ذنوباً لمن خلفك، اتق الله وحاسب نفسك، فأنت عاجز عن حمل ذنوبك، فكيف بذنوب غـيرك وأوزارهـم، وكيف إذا كانوا آلافاً أو ملايين، يقول الشاطبي : ((طوبى لمن مات وماتت معه ذنوبه، والويل لمن يموت وتبقى ذنوبه مائة سنة، ومائتي سنة، يعذب بها في قـبره يسال عنها إلى انقراضها))، ويقول حبيب أبو محمد : ((إن من سعادة المرء إذا مات ماتت معه ذنوبه))


أيها المبارك، اعمل الصالحات حتى تذكر بعد مـوتك بالخير، ولاتكن ممن يلعن بعد موته لظلمه وجبروته، ولاتكن من الذين يخلفون السيـئات، ويحبون أن يذكروا ولو بالمحـرمات، اتـق الله فإن فرعون يذكر على مدى التاريخ، وكذا أبرهة، وكذا أبو جهل، لكـنهم يذكرون ليلعنـوا، فاعمل ليكن ذكرك حسناً، فيترحم عليك من وراءك، ويسألون الله لك المغفرة :


دقــات قلب المـرء قائلــة       إن الحيـاة دقائـق وثــوان لـه


فارفع لنفسك بعد موتك ذكرها        فالذِّكْرُ للإنسـان عُمْـرٌ  ثــان


   عباد الله، أقول ما سمعتم وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب ، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم .


 


الخطبة الثانية


أما بعد ،


فيا أيها الأخ المبارك، بقي أن نتذكر أمراً رابعاً هو من الأهمية بمكان كبير، وهو محبط عظيم، وماح للحسنات خطير، وكثير من الناس يستهين به، ذلك هو (خيانة ساعات الخلوة) ما رأيك أيها الفاضل، كم هي خسارة إنسان يأتي بحسنات أمثال الجبال ثم تُحبط في لحظة، فلا يبقى له شئ منها، لاشك أنه الخسران المبين، ولكن ما الذنب الذي أحبط تلك الأعمال وما الجريمة التي خسر معها الإنسان تلك الحسنات! إنها انتهاك المحرمات في الخلوات، إليك أيها المسلم الخائف من ربه، المشفق من عقابه حديثاً يجب أن ترتعد فرائصك منه خوفاً وفزعاً، إنه حديث أقض مضاجع الصالحين، وزادهم وجلاً على أعمالهم الصالحة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ((لأعلمن أقواماً من أمتي يأتون يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة بيضاء، فيجعلها الله عز وجل هباءً منثوراً، قال ثوبان يا رسول الله، صفهم لنا جلهم لنا، ألا نكون منهم ونحن لا نعلم، قال أما إنهم إخوانكم ومن جلدتكم، ويأخذون من الليل كما تأخذون، ولكنهم أقوام إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها)) السلسة الصحيحة [505].


أيها الفضلاء، كل منا يصدق مع نفسه هذه الساعة من منا إذا غاب عن العيون لا يقع في هذا الخطر العظيم، إن منا من إذا خلا في سيارته استباح سماع المحارم، وإذا كان في زاوية بيته استباح النظر إلى المحرم بل ربما ممارسته، إن منا من يراقب الناس ولا يراقب الله، لذلك جعل الله عقابهم عظيماً.


يا أخي ..  إذا خلوت في سيارتك أو غرفتك أو في الصحراء، تذكر نظر الله إليك، واتق الله أن تفعل ما لا يريد خالقك :


وإذا خلوت بريبة في ظلمـة        والنفس داعيــة إلى الطغيان


فاستحْييِ من نظر  الإله وقل      لها إن الذي خلق الظلام يراني


ذكر أن الإمام أحمد رحمه الله  إذا أظلم عليه بيته يتمثل بقول القائل :


إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقـل       خلـوت ولكن قل علي رقيـب


ولا تحسبن الله يغفـل لحظـــة       ولا أن ما تخفــي عليـه يغيب


   أسأل الله أن يحفظنا بحفظه وأن يكلأنا برعايته .


   عباد الله ، صلوا وسلموا على الرحمة المهداة ، والنعمة المسداة، محمد بن عبد الله، كما أمركم بذلك الله ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً﴾ [الأحزاب: 56].


د. عويض العطوي


جامعة العطوي


dr.ahha1@gmail.com


السابق: السماحة

 
المتواجدون الآن [ 13 ]
اليوم [ 106 ]
الشهر [ 1697 ]
السنة [ 125369 ]
الكـل [ 621506 ]
 
 

محبطات الأعمال
 

جميع حقوق النشر محفوظة © موقع الدكتور/ عويض بن حمود العطوي - يسمح بالنشر بشرط ذكر المصدر

برمجة
الخطوط الرقمية - تصميم القسم الفني بمؤسسة ياله من دين