السيرة الذاتية
بحوث ومقالات
كتب وإصدارات
دروس ومحاضرات
في ظلال آية
منبر الجمعة
الصوتيات
الكلية
سجل الزوار
للاتصال بنا

 
 
 
 

الرئيسية » بحوث ومقالات » دعاء السفر (التوديع)
- عدد القراءات: » 13445 - تاريخ النشر : » الأحد 11- 7- 1429 هـ
طباعة

دعاء السفر


(التوديع)


 


 


إن لحظة المفارقة، ولحظة التوديع تحمل معها كثيرا من المعاني والدلالات، كما تظهر فيها كثير من مشاعر الخوف والقلق، من المسافر، ومن أهل بيته، لذا شرع هذا الدعاء العظيم كما في السلسلة الصحيحة:"، عن سالم أن ابن عمر كان يقول للرجل إذا أراد سفرا : ادن مني أودعْك كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يودعنا فيقول : أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك،  ويجيب المسافر : أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه.


وعن مجاهد كما في صحيح ابن حبان قال : خرجت إلى العراق أنا ورجل معي؛ فشيعنا عبد الله بن عمر فلما أراد أن يفارقنا قال : إنه ليس معي شيء أعطيكما، ولكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : (إذا استُودِع اللهُ شيئا حفظه، وإني أستودع الله دينكما وأمانتكما وخواتيم عملكما ).


تأمل أيها المسافر- رعاك الله- كيف يبادر المقيم بتوديع المسافر بهذه الكلمات: "أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك"، فهل وقفت مع هذه الثلاثة: الدين، والأمانة، وخواتيم العمل، هل فكرت لماذا جاءت في صورة الوديعة؟ يقول الخطابي : "وذِكر الدين مع الودائع ؛ لأن السفر موضع خوف وخطر، وقد تصيبه فيه المشقة والتعب، فيكون سبباً لإهمال بعض الأمور المتعلقة بالدين، فدعا له بالمعونة والتوفيق"([1]).


وليس الأمر مقصوراً على المشقة ، بل يضم إليه الملهيات أيضاً ، فالعين ترى في السفر ما لا تألفه من قبل، فقد يكون ذلك سبباً للهو القلب، وهذا ملمح لطيف، وتوجيه يطابق الحقيقة تماماً، لذا كان التقديم للدين موحياً بكل هذا: "وذلك لأن السفر محل الاشتغال عن الطاعات التي يزيد الدين بزيادتها وينقص بنقصانها"([2]).


ومجيء الأمانة بعد ذلك ،مع أنها من الدين  مما يدل على أهميتها،  وخصوصاً في السفر؛ لأن السفر مظنة التعب والنصب ، وهو موطن الحاجة للمال، ويكثر فيه قطاع الطريق، وكل ذلك تعسر معه الأمانة، فلما كان ذلك كذلك نص عليها بعد الدين، وقد تكون الأمانة عامة فتعم أمانة البصر، والعين، والمال، والمسئولية، والعبودية، وغير ذلك، وعلى هذا  فالأمر أظهر، جاء في تحفة الأحوذي : " أي احفظ أمانتك فيما تزاوله من الأخذ والإعطاء ومعاشرة الناس في السفر ، إذ قد يقع منك هناك خيانة، وقيل أريد بالأمانة : الأهل والأولاد الذين خلفهم ، وقيل المراد بالأمانة : التكاليف كلها ..."([3]).


ثم ذكرت خواتيم العمل، لأن السفر مظنة الهلاك، وما أكثر حوادث السيارات اليوم، وما أكثر هلاك الناس بسببها، كما أن في ذلك إلماحا إلى ما يُختم به للإنسان من موت على عمل صالح، إذ يكثر في الأسفار النسيان واللهو، وأحيانا ارتكاب المحرم أو ارتياده، وقد يختم للإنسان بسبب ذلك بخاتمة سوء عياذا بالله، لهذا علينا أن نحرص على توديع من سافر بهذا الدعاء الجليل، والذكر العظيم.


وفي المقابل يقول المسافر:" أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه"، وهنا نجد تعميما لا تفصيلاً، وإن كان لفظ الوديعة المشعر بالحفظ والرد على أحسن صورة مشتركا بين الدعائين، وتأمل أيها المسافر –حفظك الله - من الذي تستودعه أهلك ؟ إنه الله، (الذي لا تضيع ودائعه) ، وسر التعريف بالموصول مع كفاية التعريف بلفظ الجلالة(الله) ، لما في الموصول من بيان علة وحكمة طلب الاستيداع عنده سبحانه، فهو وحده الذي لا تضيع عنده الودائع، لذا لزم استيداع الأهل عنده جلت قدرته، وهذا لفت مهم لأنظار المؤمنين في الاهتمام بهذه الأدعية، حتى يسلموا من كثير من آفات غيابهم عن أهاليهم؛ لأن المقصود من هذا الاستيداع هو الحفظ،  حفظ الأهل، وصحتهم، ودينهم، والمال، والمنزل، وأمور كثيرة قد يطرأ عليها الخلل بغياب رب البيت ، لذا جاء هذا الاستيداع عاماً شاملاً , وهذا يتناسب مع تعدد الأهل وحاجياتهم؛ أما توديع الأهل لمن يسافر ففيه نوع  تفصيل كما رأينا، لأنه غالبا ما يكون فردا، وذكر معه أهم ما يتعرض له المسافر، فتأمل الفرق بين الدعائين وما فيه من اللطف والمغايرة بحسب الحال في كل منهما .


 


 د. عويض العطوي


جامعة تبوك


DR.AHHA1@GMAIL.COM


 








 ([1])  معالم السنن، للخطابي، خدمه : عبد السلام عبد الشافي محمد (دار الكتب العلمية، بيروت، ط بدون، 1416هـ، 1966م)  2/224 .


([2])  فيض القدير 1/501.


 ([3])   تحفة الأحوذي 9/284.


السابق: دعاء السفر (الركوب)

 
المتواجدون الآن [ 11 ]
اليوم [ 237 ]
الشهر [ 237 ]
السنة [ 237 ]
الكـل [ 629011 ]
 
 

دعاء السفر (التوديع)
 

جميع حقوق النشر محفوظة © موقع الدكتور/ عويض بن حمود العطوي - يسمح بالنشر بشرط ذكر المصدر

برمجة
الخطوط الرقمية - تصميم القسم الفني بمؤسسة ياله من دين