السيرة الذاتية
بحوث ومقالات
كتب وإصدارات
دروس ومحاضرات
في ظلال آية
منبر الجمعة
الصوتيات
الكلية
سجل الزوار
للاتصال بنا

 
 
 
 

الرئيسية » منبر الجمعة » وصية لقمان لابنه (2)
- عدد القراءات: » 152 - تاريخ النشر : » الأحد 22- 3- 1431 هـ
طباعة


وصية لقمان لابنه [2](1)



الخطبة الأولى:
 
أما بعد:
فقد تعرّضنا في لقاء سبق لجزء من وصية لقمان لابنه، والتي نصّها: ﴿
وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (13) وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ﴾ [لقمان].
وقد اشتملت هذه الوصية العظيمة -التي ينبغي على كلِّ مربٍّ أن يعتني بها- على أصول الفضائل في الاعتقادات والأعمال، وأدب المعاملة، وأدب النفس، وقد وصلنا في بيانها إلى قوله تعالى: ﴿
وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ وهذا موضوع لقائنا هذا اليوم بمشيئة الله تعالى.
ومناسبة ذكر هذه الوصية من الله في أثناء موعظة لقمان لابنه وإدماجُها فيها؛ تعظيم شأن الوالدين، ومناسبة اتصال حق الوالدين بحق الله تعالى، فكأنه قيل: إذا رعيت يا لقمان، وكلُّ مَن ماثلك حقّ الله في التوحيد؛ فالله عز وجلّ قد رعى حقك أيها الوالد في هذه الوصية، وأمر الأولاد ببرك ورعايتك، ومعرفة حقك.


يا لها من وصية مِن الله العظيم لكل مولود، إنها وصية بالوالدين، صاحبَيْ الحقّ العظيم، جعل الله حقهما بعد حقّه في أكثر من موضع، فقال سبحانه: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [البقرة : 83]، وقال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [النساء : 36]، وقال جلّت قدرته: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الأنعام : 151]، وقال في موضع آخر: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: 23]، أرأيت ذلك الارتباط العظيم بين حق الله في التوحيد، وحق الوالدين في الإحسان، في هذه الآيات المتتابعة، هل ظهر لك ذلك؟ ثم تأمل-رعاك الله- إلى لفظ الوصية، وكونِها من الله، وقد تكررت في القرآن بهذا اللفظ ثلاث مرات، ثم انظر ما فيها من دلالة العناية بشأن الموصَى به، ثم راجع نفسك، وقيّم واقعك مع والديك ؛ وانظر -بعدها- إلى حجم الخلل في هذه القضية الجوهرية.
وفي مجيء لفظ ﴿
الإنسان﴾ في قوله جلت قدرته ﴿ووصينا الإنسان﴾  دون (المؤمن) أو (المسلم) دلالة على أنّ حق الوالدين باقٍ حتى مع اختلاف الديانة، ويؤيد ذلك مجيء كلمة ﴿الإنسان﴾ بـ(أل) الدّالة على الجنس؛ ليشمل كل إنسان، أيّاً كان جنسه ودينه وأصله ولغته، فيا له من حقٍّ ما أعظمه!


عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِى بَكْرٍ -رضي الله عنهما- قَالَتْ: قَدِمَتْ عَلَىَّ أمي وَهْي مُشْرِكَةٌ، فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-، فَاسْتَفْتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قُلْتُ :"إِنَّ أُمِّي قَدِمَتْ" وَهْيَ رَاغِبَةٌ، أَفَأَصِلُ أُمِّي؟ قَالَ: «نَعَمْ صِلِي أُمَّكِ» [رواه الشيخان]، قال الخطابي: "فيه أن الرحم الكافرة توصل من المال و نحوه، كما تُوصَل المسلمة، و يستنبط منه وجوب نفقة الأب الكافر و الأم الكافرة، وإن كان الولد مسلماً".
وجاء تحديد الموصَى به صريحاً ﴿
بوالديه﴾؛ ليشمل الأم والأب جميعاً، فالوصية كانت بهما جميعاً، ولا نجد في المقابل وصيةً للآباء بالأبناء على هذا النحو، لأن الله عطف قلوب الوالدين على الأولاد، ولا يوجد مثل ذلك عند الأولاد، فكان لا بد من الوصية، وقد قيل: قلبي على ولدي انفطر، وقلب ولدي عليَّ حجر، وقد رويَ أنّ لقمان لما أبلغ ابنه هذا الكلام، قال له: "إِنِ اللَّهَ رَضِيَنِي لَكَ فَلَمْ يُوصِنِي بِكَ، وَلَمْ يَرْضَكَ لِي فَأَوْصَاكَ بِي"
(2).
وبعد هذا الإجمال من الوصية بالوالدين جميعاً؛ جاء التفصيل، أُفرِدت الأم لعظيم حقّها، وكبير قدرها، وضعف حالها، وشدة مشقتها ﴿
حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾ [لقمان: 14]، إنها الحالة التي تبيّن شدة المشقة مع شدة الضعف، مع كمال العطاء من هذه الأم العظيمة، في هذه الكلمة ﴿حملته﴾ إشارة إلى أصل المشقة (الحَمْل) الذي هو مِن أظهر خصائص النساء، جعله الله في هذه الآية مَكْرُمةً للأم، وسبباً للإشادة بقدرها، وعلوِّ كعبها في التضحية والعطاء، على خلاف ما يروّج له دعاة التحضّر المزعوم، من محاولات لتعديل هذا الخلْق الرباني الخاص بالمرأة وجعله للرجل أيضاً، وما يتبع ذلك من مخالفة للفطرة السوية.
معاشر الكرام، إنّ ذكر الأم هنا في قوله تعالى: ﴿
حملته أمّه﴾؛ يدل على أنّ هذا الفضل خاصٌّ بها، ومتى تكون الأم أمّاً؛ إلاّ في الزواج الشرعي المبارك، وإنّ ذكر لفظ (الأم) يبرز السمة التي يريد أن يطمسها دعاة الحريّة المزعومة، إنها سمة الأمومة، فنحن اليوم لا نسمع إلاّ حقوق المرأة، حرية المرأة، عمل المرأة، لكن مِن القليل أن نسمع الإشادة بالأم والزوجة، بوصفها أمّاً وزوجة.


معاشر المؤمنين، لقد بيّن الله سمة هذا الحمل وصفته، فقال سبحانه: ﴿وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾، والوهن هو الضعف، وقلّةُ الطاقة على تحمّل شيء، وإنما جيء بالمصدر ﴿وهناً﴾؛ مبالغةً في ضعفها، حتى لكأنها الوهن نفسُه!
ما أعظمه من وصف، وما أعجبه من كشف، لأنها إنما ضعف لأنها أعطت بعض ذاتها لجنينها، لأنه شاركها في طاقتها، وطعامها، وحركتها، حتى ضعفت بسببه، والعجيب أنها فرحةٌ بذلك، مسرورة به، فسبحان من عطف قلبها على جنينها، وجعلها تفرح بآلامها، وهل يمكن أن يتحقق ذلك عبر اللقاءات المحرمّة، والارتباطات غير الشرعية بين الرجل والمرأة؟ لا لن يكون ذلك.
تأمل -يا أيها الابن ويا أيتها البنت- إلى تراكم هذا الوهن، وتزايده كما يصوّر ذلك قولُه تعالى: ﴿
وهناً على وهن﴾، إنه ليس وهناً واحداً، بل هو وهنٌ متعدّد متزايد مع مرور أيام الحمل، فلله درّ هذه الأم المعطية الباذلة، وكم قصّرنا في حقها وقدْرِها!؟
وقد جاءت هذه الحال ﴿
وهناً على وهن﴾ كالتعليل لتلك الوصية العظيمة، ذلك أنّ مثل هذه الحالة تشترك فيها كل أمّ، فكانت الوصية معلّلَةً بأمر عام، لا بشيءٍ خاص قد يكون عند أم دون أخرى، فهل تنبهتّ أيها المؤمن لهذا؟ ولو تأمل الإنسان هذا الأمر، لوجد أنه الباعثُ في نفس الولد على أن يبرَّ أمّه، لأنه عطاء وفضل وتضحية، لا يستطيع إنكارَها، ولا التحلّلَ منها.
ومع الحمل هنا عطاءٌ آخَر، لكنّه يأتي بعده، ألا وهو الإرضاع، وبينهما يكون الوضع وآلامه، ويتضح ذلك من قوله تعالى: ﴿
وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾، وهنا نجد عناية ببيان المدة (في عامين) أكثر من بيان الهيئة والحال، كما هو شأن الحمل، ذلك أنّ الإرضاع من حيث المدة أطولُ بكثير من الحمل، وهذه المدة الطويلة كلها تضحية وعطاء من هذه الأم الكريمة، من قبل، غَذَتْك في أحشائها، ومن بعد غَذَتْك من أثدائها، ثلاثون شهراً وهي تعطيك من دمها وطعامها ونفسها، قال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾  [الأحقاف : 15].
وهكذا هي الأم أعظم رمز للعطاء والتضحية، والعفو والصفح، والحب والخير، ولكن أين نحن من هذا كله، هل عرفنا قدرها؟  شباب على شاطئ البحر يشاهدون امرأة مسنة، تمسك في يدها ورقة، لما سألوها عند المساء عن حالها، قال أحضرني ولدي منذ الصباح وقال إنه سيعود وأعطاني هذه الورقة، لم تأكل ولم تشرب طيلة اليوم، فنظر الشباب في الورقة التي تجمعها في يدها وإذا فيها: "
من يجد هذه العجوز يوصلها إلى دار العجزة"، كانت الأم تظن أنه رقم جوال ولدها الذي سيعود إليها، لذا أصرت على البقاء وانتظار عودته، وقلقلت عليه، واهتمت من أجله، فساءت حالها وارتفع ضغطها وفارقت الحياة، وهي تنتظر رجوع ابنها، وهو في المقابل ينتظر فراقها، فما أعظم الفرق بين القلبين!


معذرة يا أماه، قَدّمتِ لنا الحب والوفاء، وقابلناك بالغلظة والجفاء، فرشت لنا الأرض تضحية وعطاء، وجعلنا حياتك تكديراً وبلاء، نقابلك بالإساءة وتقابلينا بالإحسان، نبادرك بالعبوس وتبادرينا بالابتسامة، نبخل عليك وتحسنين إلينا، قلبك لنا راحم، وقلوبنا عليك قاسية.
أمّاه إنْ ضيعنا حقك فقد حفظه الله لك، ورفع قدرك، وسيمحو عطاؤك وكرمُك جفاءَنا وغلظتَنا، لأنك أمّ، أمّ وكفى.


اللهم ارزقنا برّ آبائنا وأمهاتنا أحياء وأمواتاً، اللهم اجعلنا ممن يعرف حقهم وقدرهم برحمتك يا أرحم الراحمين.
عباد الله، أقول ما سمعتم، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.





الخطبة الثانية:
 
أما بعد.
فبعد هذا التوجيه الرباني العظيم ختمت هذه الآية الكريمة بالأمر بالشكر لله سبحانه ثم للوالدين فقال سبحانه :﴿
أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ يا لها من آية ما أعظم مدلولها، إنها إرشاد إلى الأدب مع صاحب الفضل كيف نتعامل معه، إنها درس للجاحدين المنكرين، إنها وصية للوفاء لمن له حقّ عليك في زمن قلّ فيه الوفاء.
الشكر أولاً لله الذي خلق تلك الأم لك، ثم عطَفَ قلبها عليك، ثم خلقك في بطنها بهذه الصورة البديعة العجيبة، فاللهم لك الحمد والشكر؛ أولاً وآخراً، وظاهراً وباطناً.
كما لا تنس أيها الإنسان شكرَ والديك، الذَيْن أحسنا إليك؛ صغيراً وكبيراً، لكن حالك في الصغر أكثرُ دلالة على حاجتك إليهما، وعظم منتهما عليك، لهذا ذكره الله سبحانه في قوله : ﴿
رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء : 24].
وتلحظ هنا كيف ذكر الشكر للوالدين جميعاً الأم والأب، وأفردت الأم في صدر هذه التوصية، ولم يُذكر معها الأب؛ وذلك لأنّ معاناة الأم في مراحل الحمل أمرٌ لا يَشْرُكُها فيه أحد، لا الأب ولا غيره، وإذا خرج الجنين إلى الحياة؛ كانت العناية به من قبلها أكثر، وكل ما يمكن أن يقدمه الأب لولده بعد ذلك يمكن للأم أن تشاركه فيه، لكنّ الأب لا يمكن أن يشارك الأم في خصائص الحمل والوضع والإرضاع، لذا علا أمرها في البرّ والمكانة، وقال النبي صلى الله عليه وسلم للرجل الذي قال له :
"مَنْ أَحَقُّ بِحُسْنِ صحابتي؟ قَالَ: «أُمُّكَ»، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «أُمُّكَ»، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «أُمُّكَ»، قَالَ ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «ثُمَّ أَبُوكَ» [رواه البخاري]، قال ابن حجر: قال ابن بطّال: "ومقتضاه أن يكون للأم ثلاثة أمثال ما للأب من البر،... وذلك لصعوبة الحمل ثم الوضع ثم الرضاع، فهذه تنفرد بها الأم وتشقى بها، ثم تُشارك الأب في التربية،... فسوَّى بينهما في الوصاية، وخصّ الأم بالأمور الثلاثة".
معاشر المؤمنين، إنها دعوة للتأمل في هذه الوصية الربانية العظيمة، لنستفيد منها ولنعرف لوالدينا حقهم، قفوا معاشر الأولاد مع ألفاظ هذه الوصية وأسرارها، وانظروا إلى حالكم مع والديكم، ومع أمهاتكم على وجه الخصوص، تذكروا خيرها، وفضلها، وإحسانها، وسهرها، وعطاءها، وحاولوا ردّ بعض جميلها، ولو بكف الأذى عنها.


اللهم لا تحرمنا بر والدينا، واجعلهم راضين عنا، واحشرنا وإياهم في جنات النعيم، برحمتك يا أرحم الراحمين.
عباد الله، صلوا وسلموا على محمد بن عبد الله، كما أمركم بذلك الله، فقال:
﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56].





(1) خطبة لفضيلة الشيخ د. عويض العطوي،  ألقيت بجامع البازعي بتبوك، في 19/3/1431هـ.
(2)  التحرير والتنوير - (21 / 157).


السابق: وصية لقمان لابنه

 
المتواجدون الآن [ 7 ]
اليوم [ 72 ]
الشهر [ 8123 ]
السنة [ 55605 ]
الكـل [ 131046 ]
 
 

وصية لقمان لابنه (2)
 

جميع حقوق النشر محفوظة © موقع الدكتور/ عويض بن حمود العطوي - يسمح بالنشر بشرط ذكر المصدر

برمجة
الخطوط الرقمية - تصميم القسم الفني بمؤسسة ياله من دين