وصية لقمان لابنه(1)
الخطبة الأولى:
أما بعد:
ففي القرآن آيات ونُذر، وبصائر وعبر، وتوجيهات ودرر، لا بد لنا أن نفيد منها، وأن نتوقف عندها، ومن ذلك تلك الوصية العظيمة التي تعد نبراساً يُحتذى، ومناراً به يُقتدى، في سماء التربية، وفضاء التوجيه، إنها وصية لقمان لابنه؛ كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (12) وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (13) وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (15) يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (16) يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (17) وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (18) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان: 12- 19].
تأملوا -يا عباد الله- إلى هذه الوصية كيف بَدأت بالثناء على الموصِي بصفات يكون بها أهلاً للوصية، وجُمعت تلك الصفات في صفة واحدة هي (الحكمة)، كما قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾، وإنما قال سبحانه: ﴿آتينا﴾ دون (أعطينا)؛ لأن الحكمة أمر معنوي، ولأن الحكمة ليست ملكاً خاصّاً لأحد، بل يؤتيها الله مَن يشاء.
وهي جماع الخير كما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة : 269]، ولهذا جعلها سبحانه صفة لرسله وأنبيائه، ولهذا أمر سبحانه بالشكر على هذه النعمة وتلك المنّة فقال تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾، فهل سعينا نحن لاكتساب هذه الحكمة؟ وهل سألنا ربّنا أن يهبها لنا، وأن يوفقنا إليها؟ وهل شكرنا ربنا عليها إذا هُدينا إليها؟
هذه الحكمة تمثلت بصور عملية في وصية لقمان لابنه، لأن التربية مِن أصعب المهام وأخطرها، وهي أحوج ما يكون إلى الحكمة، التي هي وضع الأمر في موضعه.
فتعالوا -أيها الفضلاء- لنبحر في هذه الوصية العظيمة، التي خلّدها الله في كتابه العظيم، لتكون لنا وللعالمين منارةَ هدى، ومعْلَم توجيه في هذا المجال الكبير المهم (التربية).
﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ﴾، تأمل -رعاك الله- إلى ذكر القول في بداية هذا التوجيه، مما يدل على ضرورة وجود حوارات ولقاءات مع الأولاد، وأن يكون توجيه النصح لهم برفْق ولين، ولو تأملنا واقعنا؛ فربما نجد بعض الآباء لا يولي هذا الموضوع اهتماماً، فليس في برنامجه وقتٌ للحديث مع أبنائه وبناته، بل هو يعتمد على الطوارئ والأحداث المؤلمة لتحرّك فيه مهمة الوعظ والتوجيه!
كما تلحظ -أيها المؤمن بربه- كيف قال سبحانه: ﴿لابنه وهو يعظه﴾؛ إذاً هي موعظة، والموعظة تعني الرفق واللين، تعني ما يرقق القلب، ويؤثر في النفس، ليس المراد هنا التجريح والتشفي، بل اللطف والشفقة، والتذكير بما يحرك الشعور، ويؤثر في الوجدان.
معاشر المؤمنين، إن بعضنا اليوم -خصوصاً في محيط المثقفين- يرى الموعظة أمراً غير مهم، أو غير مناسب، ولهذا إذا أراد أن يحكم على كلام بالسطحية والسذاجة، قال هذا كلام وعظي، والصحيح أن كل قلب محتاجٌ إلى الوعظ والتذكير بما يرققه ويهذبه، حتى يحصل التوازن في الحياة، إننا نحتاج أن نخاطب الروح كما نخاطب العقل، والموعظة الحقة هي التي تشمل ذلك كلَّه، كما حصل في وصية لقمان لابنه.
تأملوا - يا كرام- كيف نادى ابنه قائلاً: ﴿يا بني﴾، يالها من كلمة ما ألطفها، ولفظة ما أجملها، تختصر كل صور العلاقة بين الأب وابنه، إنها كلمة تخاطب وجدان الابن، لأنها تتلمس أعظم الروابط بين الأبوة والبنوة.
وما يزيدها جمالاً وتأثيراً ذلك التصغير (بُني) لما فيه من التمليح واللطف، وهذا النمط مهم معاشر الآباء في مخاطبة الأبناء، فليس بالضرورة أن يكون النداء بالاسم الجاف، بل الأحسن أن ينادى الابن من خلال ما يذكره بهذه الرابطة، وكذلك الأب، ولهذا نادى إبراهيم ولده فقال: ﴿يا بُني﴾، وكذلك فعل نوح: ﴿يا بني﴾، ونادى إبراهيم أباه: ﴿يا أبتِ﴾ لكن أباه ناداه باسمه في سياق الغضب والشدة، فقال: ﴿أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم : 46]، لم يقل: (يا بني)، فاللطف لغة الأنبياء، والشدة لغة الكفار، فما حالنا نحن مع أبنائنا وبناتنا، هل من مراجعة لطريقة حوارنا وحديثنا معهم؟
وتأملوا -معاشر الآباء- بماذا بدأ هذا الأب وصيته لابنه، قال: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان : 13].
لقد نبّهه على أساس الأمر ودعامته، أوصاه بالتوحيد، بما ينبغي عليه أن يعتقده، وهذا مالا يخطر ببال بعض الآباء لغفلتهم، وبعضهم يعلل ذلك بأننا موحّدون مسلمون، فما الداعي لذلك؟
تذكروا -معاشر الآباء- أن لقمان مؤمن، وابنه مؤمن، ومع هذا لم يهمل هذا الأساس العظيم، الذي دعا إليه كل الأنبياء قبل الدخول مع أقوامهم في تفاصيل العبادات.
لا تقل أيها الأب: المدرسة تكفي، كلاّ، بل عليك مسؤولية خاصة في هذا الأمر، عليك أن تجلس مع أولادك بين الحين والآخر تحدثهم حول هذا الموضوع، تبين لهم خطر الشرك، وصوره، ولا تقل: هذه أمور معلومة، كلاّ، بل حقيقتها قد تكون مجهولة عند كثير من الأولاد، نبّههم على خطر السحر والشعوذة، والدجل والخرافة، حتى لا يقعوا في مصيدتها، مع تقدم وسائل الاتصال، فإذا لم يوجد رادع ذاتي في دواخلهم فلن تستطيع معرفة ذلك ومراقبته.
بيّن لهم عظمة الخالق، وقدرته سبحانه، وتفرده بالخلق والأمر، وضرورة صرف العبادة له وحده، وضرورة مراقبته سبحانه في السرّ والعلن، وهذا ما اشتملت عليه هذه الوصية العظيمة، فكل ذلك يبني في نفوسهم رقابة خاصة، تُسهم في تهذيب سلوكهم وتقويم أخلاقهم.
معاشر الكرام، إنما نهى لقمان ابنه عن الشرك؛ لأنه الخطر الأعظم على عبادته، ولأنه ظلم في حق الخالق سبحانه، وحق المخلوق أيضاً، لهذا علل له فقال: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾، وقد نبّه النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة الكرام إلى خطورة هذا الظلم لما نزل قوله تعالى : ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾[الأنعام : 82] فشق ذلك عليهم، وقالوا : يا رسول الله وأينا لم يظلم نفسه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم : "ليس ذلك، إنما هو الشرك، ألم تسمعوا قول لقمان لابنه : ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: 13]" [متفق عليه].
وهذا التعليل مبدأ تربوي عظيم، يغفل عنه كثير من المربّين، فالشأن عنده أمرٌ ونهيٌّ فحسب، لا تعليل، لا بيان، لا إيضاح، وهذا خطأ كبير، فالولد لا يدري لماذا نُهي أو أمر، ولهذا فقد يعاند ويشاكس.
فعليك -أيها الأب الفاضل- أن تهتم بهذا الأمر، فلا تلغِ عقل أحد من أولادك، فإذا أمرتَ أو نهيتَ؛ علِّلْ لهم ذلك، وهذا لن يكون إلا في مساحة كافية من الهدوء واللطف والراحة.
وليكن في تعليلك من الإقناع ما يكفي، ولو سألك ابنك عن المزيد؛ فأجبه وحاوره، بهذه تكسبه وتؤثر فيه، ويكون لك قرّة عين.
ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين، واجعلنا للمتقين إماماً.
عباد الله، أقول ما سمعتم، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية:
أما بعد:
فقد عشنا هذه اللحظات مع جزء من تلك الوصية العظيمة، ورأينا كيف اشتملت على أسس التوجيه المطلوبة، ولعل مِن أهمها:
أولاً: اكتساب المهارات اللازمة للتوجيه، ومن ذلك الحكمة التي لا تحصل إلا بالعلم والتجربة، فماذا فعلت أيها الأب لتكتسب ذلك؟ هل قرأت وتفقهت؟ هل سألت وتعلمت؟ هل مارستَ وتدربت؟ الأمر إليك، فاعمل من أجل أبنائك، فهم رأس مالك.
ثانياً: الرفق واللطف، وهذا ما يتمثل في الوعظ، فتنبّه لهذا، وابتعد عن العنف والشدّة، والتجريح والتقريع.
ثالثاً: بناء جسور التواصل، وذلك بالقرب المكاني، واختيار اللفظ المناسب، المُشعر بالقرب والمودة (يا بني)، وإذا كنتَ تجد في ذلك صعوبة؛ فتدرّب على ذلك وابحث عن الوسائل المُعينَة على عليه، كاللعب مع أولادك، ومشاركتهم أفراحهم وأتراحهم، حتى تتقارب القلوب والنفوس، عندها تكون مهيأة لقبول الوعظ، جرّب أيها الأب أن تجلس بجانب ولدك وأن تضع يدك على رأسه وكتفه، وتقول له: (يا بني)، فتأكد أن هذه الكلمة مع هذه الحركة من المسح واللمس، تؤثر أضعاف الكلام الذي تقوله في غير هذه الحال، وتزيل أي حجاب بينك وبينه، وتفتح قلبه للقبول، عندها يخجل أن يخالفك، وتميل نفسه إلى طاعتك وموافقتك.
رابعاً: اختيار الموضوع المناسب، وتقديم الأهم فالأهم، وقد يختلف ذلك من موقف لآخر، ومِن ابن لآخر، ومن موضوع لآخر، حاول تقييم الأمور، وابدأ بالكليات والمهمات.
خامساً: لتكن موعظتك لابنك شاملة لكل جوانب حياته وآخرته، شاملة لعقيدته، وعبادته، وأخلاقه، كما جاء في وصية لقمان لابنه.
سادساً: خاطب عقل ابنك، كما خاطبتَ عاطفته، فبالعاطفة خاطب لقمان ابنه، وذلك بقوله: ﴿يا بني﴾، وبالعقل خاطَبًه لما علّل له بقوله: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾، فلا بد أن تتيح مساحة كافية ليفكّر ابنك، ويقتنع بما يقول، فليس المراد التأثّرَ اللحظي، بل المراد غرسَ القيم والمبادئ.
بهذا نكون -أيها الفاضل- قد تواصلنا مع أبنائنا، وطورنا مهاراتنا من أجلهم، وهذا ليس بقليل في حقهم.
اللهم هب لنا من لدنك ذرية طيبة؛ إنك سميعُ الدعاء.
عباد الله، صلوا وسلموا على محمد بن عبد الله، كما أمركم بذلك الله، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56].
(1) خطبة لفضيلة الشيخ د. عويض بن حمود العطوي، ألقيت في جامع البازعي بتبوك، في 29/2/1431هـ.