السيرة الذاتية
بحوث ومقالات
كتب وإصدارات
دروس ومحاضرات
في ظلال آية
منبر الجمعة
الصوتيات
الكلية
سجل الزوار
للاتصال بنا

 
 
 
 

- عدد القراءات: » 251 - تاريخ النشر : » الخميس 17- 12- 1430 هـ
طباعة
التالي : الماء


مأساة جدة(1)


 


الخطبة الأولى:
 
أما بعد:
فقد رسمت
مأساة جدة لوحةً يصعب نسيانها، سبقت العيد لتسلب فرحته، لتتحول البهجة إلى مأساة حقيقية في ثاني أكبر مدينة سعودية، أربع ساعات ممطرة، غيّرت وجه المدينة الكبيرة العتيدة، ولنا مع هذه المأساة وقفات:


الوقفة الأولى: أنّ هذا قدَر الله الذي لا مرد له، فلا يمكن لأي قوة أن تغيّر من قضاء الله شيئًا، لكن لا يعني ذلك أن نحتج بالقدَر، بل المراد أن نتصبّر على المأساة بالقدر.
فمَن أصابه ضرٌّ بسبب هذه المأساة؛ فعليه باللجوء إلى ربّه، والصبر على بلواه، والرضا بما قدّر الله سبحانه وقَسَم، حتى لا تجتمع عليه مصيبة الغرق والدمار، ومصيبة التسخّط والاعتراض على قضاء الله ، فلئن وقع المصاب، فينبغي ألاّ يفوت الثواب، وكما قال صلى الله عليه وسلم: "
إنما الصبر عند الصدمة الأولى" [متفق عليه]، وقال عليه الصلاة والسلام: "وما أعطيَ أحدٌ عطاءً أوسع من الصبر" [رواه الشيخان وغيرهما].


الوقفة الثانية: أنّ الإنسان ضعيف أمام قدرة الخالق، فما هي إلا ساعات وكل شيء انقلب رأسًا على عقب، ساعات معدودة أظهرت ضعف الإنسان الذي قد يتجبّر، قد ينسى أمر ربّه، قد يأمَن مكر خالِقِه، ساعات معدودة عرّفت الإنسان قُدرَة الخالق، فهذا الماء السيّال، اللطيف الشفّاف، الذي به قوام الحياة؛ يمكن أن يكون هو سبب ذهابها، فكم دمّر الله به من ممالك، وأدال به من دول، وأهلك به من طغاة، ألا نقرأ عن غرق فرعون ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: 90]، ألا نتذكر سيل العرم على مملكة سبأ، كما قال ربّنا: ﴿فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ [سبأ: 16]؟ وهل نسينا طوفان نوح، يوم رد الإنسان أمر الله ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ* وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ [القمر: 11، 12]؟
يا أيها المؤمن بربّه، تفكّر دومًا في عظمة الله وقدرته، وجبروته وعظمته، حتى تَقْدُره حق قدره، حتى لا تتهاون بنهيه وأمره، حتى تكون على اتصال به واعتماد عليه.
تأملوا -يا كرام- بين حال أناس يشتكون الجدب وقلة المطر، وقد تهلك أموالهم وأنفسهم بسبب ذلك، وآخرين يشتكون كثرةَ الماء وتدمير السيول، وقد تهلك أموالهم وأنفسهم بذلك، والعاصم في كل ذلك هو الله، أما قال نوح لابنه في الطوفان: ﴿
لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ﴾ [هود: 43]؟
فعلينا قبل أن نلوم غيرنا أن نلوم أنفسنا، وقبل أن نتهّم غيرنا أن نتهّم أنفسنا، فليس بين الله وبين أحدٍ من خلقه نسب، فهذه الأقدار قد تصيب كلّ أحد، وقد يكون في غفلة منها، وذهول عنها، أما دخل الماء على أناس وهم نائمون؟ أما هرب أناس إلى سطوح المنازل خوفًا وفزعًا؟ أما طفت الجثث في الشوارع؟
يا نائم الليل مسرورًا بأوله *** إن الحوادث يطرقن أسحارًا
يالله ما أعظم قدرة الله، وما أعظم نسيان الإنسان وتهاونه بأمر ربّه، فهل مِن معتبر؟


الوقفة الثالثة: ليس هذا الوقت هو أوان التجريح والتشفي والشماتة، بل الواجب الآن هو التكاتف والتعاون، وتخفيف المأساة، ومما يؤسَف له؛ أن يكون فينا من يتشفّى مِن إخوانه المنكوبين بعبارات لاذعة، وجُمل ساخرة، وكأنه في منجاة عمّا حدث، فتجد مَن يقول: إنهم يستحقون ذلك لأنهم فعلوا كيت وكيت، إنّ هذا بسبب ذنوبهم ومعاصيهم، وكأنه هو المعصوم وغيره الضال!
لا يا أُخَي،  ليس هذا هو أوان ذلك، بل هذا أوان تضميد الجروح، لا نكأُها، هذا أوان المواساة لا الشماتة، هذا أوان الأخوة، لا المعاداة، هذا أوان العُذْر لا الاتهام.
نحن لا ننكر أنّ لذنوب العباد أثرًا فيما يحصل لهم، لكن لا يَحْسُن أن نتخذ من ذلك سلمًا نزكي فيه أنفسَنا ونتهم فيه الآخرين.
لقد حدثت المآسي والكربات في خير الأمم، وصفوة الخلق، وهم الرسل الكرام، لقد حصلت في القرون الأولى، وهم صفوة الناس،
فرويدًا، فما هكذا يعالج الخلل، وما هكذا يجبر المصاب!


الوقفة الرابعة: بمثل هذا الحدث يُخْتَبَر الدِّين والأخلاق، في مثل هذه الكوارث يظهر التديّن الحقّ، والفهم الواسع لمعنى العبادة، فليس مَن يعظ ويوجّه نظريًا كمن يشارك عمليًّا، تذكروا -معاشر المؤمنين- كيف تعامل الأنصار مع المهاجرين الذي لا يملكون أرضًا ولا مالاً، ولا بيتًا ولا متاعًا، تأملوا كيف فهموا أنّ الدّين يتمثل في أسمى صوره في الإحسان، في العون، في إغاثة الملهوف، ومساعدة المحتاج، تأملوا كيف أثنى الله عليهم بذلك فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال: 72].
تأملوا كيف أثنى سبحانه أولاً على المهاجرين بالإيمان، والهجرة والجهاد، ثم أثنى على الأنصار بعملين عظيمين في مقابل كل ما ذكر، أثنى عليهم (
بالإيواء والنصرة)، فماذا يعني هذا؟ ألا يعني عظمةَ هذا العمل، وسموَّ هذا الصّنيع، والثناء على هذا الفعل؟
فأين مِثلُ هذا في زماننا؟ إننا لم نسمع مَن يقدّم بيتَه لإخوانه كما فعل الأنصار، لم نسمع أنّ أصحاب الشقق المفروشة تنازلوا لإخوانهم المنكوبين ليسكنوا فيها، بل كل ما سمعناه هو أنّ الدولة وفقها الله استأجرت هذه الشقق مِن أصحابها لإيواء المنكوبين، ومتى تتغيّر هذه النظرة المادية فينا؟ فكل شيء بمقابل حتى في الأزمات، متى يكون تقديم العون للآخرين هو السائد في المجتمع كما كان من قبل؟
إنّ ما حدث
يكشف عن شرخ عظيم في قيم المجتمع، لابد من علاجه، بل إننا رأينا ما هو أشنع من التخلي عن المحتاجين رغم وجود الإمكانات، رأينا مَن يستغلُّ حاجة المحتاج، وضرر المتضرر برفع الأسعار، وتحصيل الأموال، قرأنا مَن يطلب الأموال لمساعدة الغرقى، مَنْ يُخرِج المشردين من الشقق بحجة كثرة العدد، رغم أنّ الدولة وفقها الله تكفّلت بالأجرة.
إنّ مثل
هذه الفئة الجشِعَة هي مَن يستحق المحاسبة، وهي مَن يفتقد لمعاني الإنسانية والوطنية.
معاشر المؤمنين، في مثل هذه المآسي تختبر أخلاقنا وقدر ديننا، في هذه النكبات ينكشف الإنسان أمام نفسه والآخرين، نسأل الله أن يسترنا، ويستر بنا، وأن يعيننا ويعين بنا.


الوقفة الخامسة: ليست الدولة وحدها هي المعنيّة والمسؤولة، إنّ مما يؤسَف له أننا لا نسمع إلا أنّ الدولة قامت وفعلت وقدّمت وأخّرت، ونحن نتساءل أليس هؤلاء إخواننا؟ أليس لهم حقٌّ علينا؟ أين التضامن؟ أين التكاتف؟
إننا لم نسمع عن مشاركة أصحاب المليارات، ومُلاّك البنوك، وأصحاب العقارات، أين هم عن بلدٍ كسبوا كل هذه الأموال من خيراته، أين هم في مثل هذه النكبات، ما لهم لا يظهرون؟!
إذا كانت الدولة قد قامت بمسؤوليتها، وولي الأمر قد أمر بعطاء سخي -نسأل الله أن يأجره عليه-؛
فأين مدّعِي الوطنية، ودعاة الإنسانية؟ ما بالهم يتوارون حيث ينبغي أن يظهروا؟
أليس الأولى أن تُنظَّم حملةٌ شعبية لدعم إخواننا المتضررين، ليقدِّمَ كلٌّ منّا ما يستطيعه، ليشعر بوحدة الأمة، ووحدة الأرض والوطن؟
ولو تساءل الإنسان ماذا يمكن أن يقدِّم، فلا شك أن صور العون والمساعدة كثيرة ومتعددة لمن أراد الإسهام والمساهمة، فمِن ذلك ما ذكرناه من الإيواء، وكذلك
الإطعام والكساء، والمواساة والتعزية، والتصبير والتسلية، وحماية الممتلكات وتعريفها، ونقل المصابين وإنقاذ الغرقى، والبحث عن المفقودين، ومعالجة القلق، وتسكين الفزع، والدعاء للموتى بالرحمة، وللمنكوبين بالصبر والخَلَف.
إنّ أعمال الخير كثيرة، المهم ألا يحرم القادر نفسَه منها، بل يكون من المبادرين إليها.


اللهم ارحم موتانا، وصبّر مبتلانا، اللهم أجرنا في مصيبتنا، واخلفنا خيرًا منها، برحمتك يا أرحم الراحمين.
عباد الله أقول ما سمعتم، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
 






الخطبة الثانية:
 

أما بعد.
فبقيَ أن نقف
الوقفة السادسة مع هذه المأساة، ألا وهي: الأمانة والقيام بالمسؤولية.
إنّ الجميع يدرك أنه يوجد بعض مَن تسنّم المسؤولية لا يؤدي الأمانة على وجهها، بل إنّ بعض هؤلاء لا يرى إلا مصلحته الخاصة، فيوجه كلَّ ما بيده من صلاحيات لتصبّ في النهاية في جيبه أو حسابه! وقد وجّه وليُّ الأمر حفظه الله، بمحاسبة هؤلاء عند ثبوت الأمر عليهم، ولكن هل هذا خاص بجهة معيّنة، أو بقعة خاصة؟ كلاَّ.
بل إنّ ما حدث لَهوَ نموذج لصورة ربما تتكرر في قطاعات كثيرة، وربما تتكرر في بعضنا،
فهل نحن قد قمنا بأعمالنا بكل أمانة وصدق؟ هل أدركنا أننا بتهاوننا قد نتسبب في كوارث ومصائب، إنّ تزكيتنا لذواتنا، ومدحَنا المفرط لأنفسنا؛ هو الذي أوردنا المهالك!
إنّ مأساة جدة لتنقل لنا الصورة التي طالما أخفيناها وخِفْنا منها، إنها الحقيقة التي يخافها الخفافيش، والمؤلم اليوم أنّ الموتى هم الذين يكشفون حقائق الأحياء، وأنّ الألم هو الذي يرسم الطريق نحو الأمل!
يا أيها المسؤول في أيِّ قطاعٍ كنت، اعلم أنّ الله هو الذي يحاسبك، وهو الذي يعرف أمانتك وصدقَك، واعلم أنّك بين يدي ربّك موقوف، وعن حقوق الخلْق مسؤول، ولو أدرك كل مسؤول ذلك؛ لما تلذذ بمنصب، ولأدرك أنما هو فيه تكليفٌ لا تشريف، أما قال عمر -رضي الله عنه-: "والله لو عثرت بغلة في العراق لخشيت أن يسألني الله عنها: لِمَ لمْ تسوِّ لها الطريق يا عمر؟"، فهل نحن نحمل هذا الحس؟


اللهم أصلِح شؤوننا، وارحم موتانا، واجِبر مصابنا، برحمتك يا أرحم الراحمين.
عباد الله، صلوا وسلموا على محمد بن عبد الله، كما أمركم بذلك الله فقال: ﴿
إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب : 56].

 






(1)  خطبة ألقيت بجامع البازعي في الجمعة الموافق 17/12/1430هـ؛ عقب السيول التي اجتاحت مدينة جدة في الثلث الأول من شهر ذي الحجة، .


السابق: خطبة عيد الأضحى 1430 (من معاني الحج)

 
المتواجدون الآن [ 6 ]
اليوم [ 51 ]
الشهر [ 8102 ]
السنة [ 55584 ]
الكـل [ 131025 ]
 
 

مأساة جدة
 

جميع حقوق النشر محفوظة © موقع الدكتور/ عويض بن حمود العطوي - يسمح بالنشر بشرط ذكر المصدر

برمجة
الخطوط الرقمية - تصميم القسم الفني بمؤسسة ياله من دين